د. رانيا يحيى تكتب: ويتغنى الفن السابع منذ البدايات

دكتورة رانيا يحيى تكتب: لأجلك يا مدينة الصلاة “نصلي”

واحدة من أروع ما كتب وتغنى معبرًا عن وجعنا بالقدس المحتلة، وهي أغنية “زهرة المدائن” التي غنتها صاحبة الصوت الملائكي السيدة فيروز، والتي أطلق عليها سفيرة في محراب الفن؛ إذ نشعر بدفء صوتها أنه قادم من عنان السماء، بما يكتنفه من حلاوة الإيمان وقدسية التعبد وملائكية الترتيل بالألحان والإيقاعات المختارة بعناية ما جعلها قريبة لنفوسنا وتحيا فى وجداننا.

الحقيقة هذه الصنيعة البديعة من أقرب الأعمال إلى قلبي، بكلماتها غير التقليدية، ولحنها الرائع، مع الصوت الساحر بامتلاكه الإحساس والشجن والصفاء صاحبة المدرسة الفيروزية في الغناء. لازالت حية رغم مرور كل هذه السنوات منذ عام 1967 لكنها محفورة في وجدان كل الأجيال لأنها أهم وأصدق ما عبر عن القدس الحبيبة وألف كلماتها ولحنها الأخوين رحباني، وكانت اختياراتهم للمقامات تعكس معرفة ودراية حقيقية بطابع كل مقام ما يدعم الحالة الشعورية.

وكانت الأغنية في مقام “النهاوند” وهو من المقامات الشرقية ومقابلة في الموسيقى الغربية (المينير)، في شرقيته يتسم بالرقة في كثير من الأحيان، وفى نفس الوقت يعبر عن الضعف والخشوع والشجن وتم استخدامه هنا ليعبر عن القدسية والصلاة، والأغنية موزعة أوركستراليًا بشكل بديع يعطينا إحساس الرهبة والقدسية، مع سيطرة مشاعر متعددة ما بين التمسك بالقدس والخوف والقلق على مصيرها، وإصرارنا بعدم التفريط فى أرضنا.

ونجد الموسيقى زاخرة بالتنوع وتعبيرات رائعة وجديدة على الموسيقى العربية؛ حيث قدرة الرحبانية بتوظيف آلات اوركسترالية غربية مع جو غنائي شرقي أصيل من الكورال الداعم للصوت الصادق والنابض للسيدة فيروز، ما أوضح هذا المزيج المتناغم في جديلة من المشاعر الإنسانية الراقية.

وتبدأ الأغنية بمقدمة موسيقية تمهد لنا الحالة العامة في حالة من الخشوع تعبيرًا عن “القدس” باستخدام آلة “الكى بورد” واختيار صوت صافي نقي واضح بنغمات حالمة رقيقة ثم ترد الفرقة الموسيقية الوتريات بنفس الشجن، لتدخل آلات النفخ الأوركسترالية النحاسية بمنتهى القوة في الخلفية، في حوار رقيق بين هذه الآلات الشاعرية الحالمة في الوتريات يقابلها القوة والصمود في آلات النفخ النحاسية، لتدخل فيروز بصوتها الساحر في مناجاة تعبدية داخل محراب القدسية، بما يكتنفه صوتها من وجع وألم، وفى ندائها للقدس نستشعر وكأنه جزء منها، تناجيه وتناديه، في تشبيه رائع؛ وكأن القدس إنسان يسمعها وتنتظر رده.

ومع مقطع “لأجلك يا مدينة الصلاة أصلى” نجد فيروز تغني كلمة “الصلاة” باستخدام حرف المد بخشوع لتعبر عن الصلاة.. ومع لفظة “أصلي” نجدها مع قفلة تامة، أي درجة الركوز للمقام وما توحيه في النفس بالشعور بالنهاية والاستقرار وهدوء وكأنها وصلت لغايتها بطمأنينة حين تبلغ الصلاة.

وغنائها في تصاعد والموسيقى مجرد خلفية لهذا الصوت الشجني الجاذب لكلمات معبرة ومهمة للتأكيد على المعنى، ودخول الكورال رجال ونساء مقصود ليعكس الشعور الجمعي للوطن العربي كله، وخلفية الغناء للتدليل على الوجع والحسرة.

وحين ننتقل لهذا التعبير الجمالى “لأجلك يا بهية المساكن.. يا زهرة المدائن.. يا قدس” يستمر اللحن في نفس المقام، مع اختلاف في أسلوب الأداء الغنائي؛ إذ نلحظ الركوز على حروف ساكنة وهو حرف النون في كلمات “المساكن.. ثم المدائن” وهنا يتضح في الأداء درجات الركوز بوضوح، كما نلحظ تكرار كلمة “يا قدس” ثلاث مرات بشكل تصاعدي في الأداء فالتكرار لتأكيد المعنى وتقويته، وأثناء ادائها في وصف القدس “يا بهية المساكن .. يا زهرة المدائن” نجد الأداء يتسم بالقوة والاعتزاز والفخر.

ومع شطرة البيت القصيرة والصغيرة “عيوننا إليكي ترحل كل يوم” ينتقل اللحن لمقام الحجاز بما فيه من حزن وشجن أكثر من مقام النهاوند، والعبقرية هنا من الرحبانية للتعبير عن الحزن على ما أصاب القدس. ثم تنتقل بسرعة لمقام آخر فى غناء “تدور في أروقة المعابد .. تعانق الكنائس القديمة وتمسح الحزن عن المساجد” وهو مقام الكرد. وفى كلمة المعابد يتضح الخشوع الممزوج بنعومة شديدة في أداء فيروز.

أما مقطع “تعانق الكنائس القديمة” تتضح النغمات الموسيقية وتقطيعها بسلاسة ووضوح وكأنها تؤدى من خلال آله موسيقية، ويقوم الكورال بترديد نفس المقطع بشكل جنائزي كأنها ترانيم كنسية لتعميق هذا الإحساس ولفت الانتباه بوجود اتفاق جماعي.

وفى عبارة “وتمسح الحزن عن المساجد” تعكس حالة الخشوع التي تجسدها كلمة المساجد كما كانت من قبل في المعابد بنفس اللحن وبنفس الأداء، ونلاحظ هنا أداء فيروز الغربي في حروف المد بشكل واضح، بتدوير الصوت في أداء هذه الحروف ما يعكس بعدًا جماليًا حسيًا.

أيضًا نلاحظ فى غنائها لمقطع “يا ليلة الإسراء.. يا درب من مروا إلى السماء” تبدأ بمناجاة ومناداة تستحلفها لتكون ليلة الإسراء شفيعًا لعودة القدس، يختتم الجزء الأول “عيوننا اليك ترحل كل يوم وانني أصلي” بتكرار للجملة ونفس النهاية بقفلة تامة في كلمة “أصلي” للتعبير عن الخشوع والطمأنينة والاستقرار الذي يعقب الصلاة وانعكاساتها على النفس البشرية في أي من الأديان.

ويعتبر هذا الجزء التمهيد الحقيقي للجزء الثاني الذي يمثل قمة الإبداع بتصاعده رويدًا رويدًا، والذى يستهل بصولو فلوت، بصوتها الرقيق الحالم، ثم حوار متبادل من الوتريات ويصاحبها ضربات بسيطة رنانة من آلة المثلث الإيقاعية، واللحن راقص بإيقاع رشيق، لنستشعر الفارق ما بين حالة مستقرة قبل الاحتلال، واستطاعت الموسيقى أن تعبر بالتوزيعات الآلية الرائعة الكثيفة وبالهارمونيات البديعة لتوصيل إحساس القسوة والدمار الذي نعاني منه.

فمثلًا “الطفل فى المغارة .. وأمه مريم … وجهان يبكيان … يبكيان” في مقام النهاوند بشجنه وإحساسه الدافئ، وتحديدًا “الطفل فى المغارة وأمه مريم” نلاحظ أن الأداء أشبه بالهدهدة للتعبير عن الفرح والنشوة لدى الأم وهي تحمل طفلها وتهدهده، وفجأة تغنى (وجهان يبكيان…) بقوة وكأنها تطرح تساؤلًا وتعجبًا يحويان كمًا من الحزن والألم.

وفى هذا الجزء من الأغنية الآلات المصاحبة رقيقة تتماشى مع الكلمات وضربات المثلث تعطى بريقًا فى الصوت، بجانب آلات النفخ الخشبية المرافقة للوتريات وتنتهى منه فيروز بتصاعد على كلمة إنني أصلى بمصاحبة الفلوت.

ومع الانتقال لمقطع “لأجل من تشردوا.. لأجل أطفال بلا منازل.. لأجل من دافع واستشهد فى المداخل” ينتقل أيضًا المقام الموسيقي من النهاوند إلى الحجاز الأكثر حزنًا ليعبر عن الكلمات، والأداء الغنائي يتضمن سؤال وتعجب في نفس الوقت “لأجل من تشردوا؟!” إحساس فيروز يتصاعد وكأن بداخلها ثورة، تتلاحق الجمل والمقاطع الغنائية بشكل متتالي بدون لزم أو فواصل موسيقية للتأكيد على الدهشة، وأسلوب غنائها الغربي بشكل واضح بدون تطريب؛ حيث الصعوبة في القدرة على الأداء بإحساس عالي والتعبير عن الكلمة.

وتستمر الموسيقى في مقام الحجاز عند مقطع “واستشهد السلام … فى وطن السلام .. وسقط العدل على المداخل”، “حين هوت مدينة القدس.. تراجع الحب وفي قلوب الدنيا استوطنت الحرب” ومع “واستشهد السلام” تعبر عن الأسى والحزن، ثم ننتقل للقوة مع “وسقط العدل على المداخل” وكأنها تؤكد أن العدل سقط ففزع من هذا السقوط وخاصة للعدل الذي يضيع معه الأمان.

وننتقل لملحمة غنائية “الغضب الساطع آت.. وانا كلي إيمان.. الغضب الساطع آت.. سأمر على الأحزان..من كل طريق.. آت.. بجياد الرهبة.. آت” فى مقام العجم، والأداء بقوة تعبيرًا عن الغضب وتأكيدًا على الثورة التي يدعمها التكرار أكثر من مرة بالتداخل مع الكورس الغنائي، وأداء كلمة “آت” بتسلسل سلمي صاعد مع آلات النفخ النحاسية الغربية بقوتها يدعم الحالة الشعورية بالانتفاضة من أجل التمسك بالأرض، والأداء الغنائي بأسلوب غربي كان أكثر تعبيرًا عن قوة هذه التعبيرات.

فكلمة “الغضب الساطع” تعبير في منتهى البلاغة لأن السطوع يعبر عن الوضوح والإشراق، فكيف يكون غضب وساطع!! وهنا قمة البلاغة في التأليف، فكان من الممكن (الغضب القادم) ولكن القصدية البلاغية والجمالية أن هذا الغضب ساطعًا أي مرئيًا من الجميع، ليس فقط بل أيضًا سيأتى معه الإشراقة والأمل مثل سطوع الشمس فى إشراقة كل صباح لتمحو ظلمة الليل.

وكان التوظيف الموسيقى للكورال مؤكدًا على هذه البلاغة الكلامية موسيقيًا؛ حيث الحوار المتكامل بين السيدة فيروز وهى تقول “الغضب الساطع” فيأتي الكورال بمنتهى القوة (آت) معبرًا عن الحشود الجماهيرية العريضة من أقضاها إلى أقصاها في وطننا العربي المؤمنين بهذه القضية، فتكمل بعدها “وأنا كلى إيمان” لليقين بالله على قدرته في رد المظالم، والإيمان بقوة وعقيدة جيوشنا وشعوبنا التي نزفت من أجل هذه الأرض المباركة. وبعدها ينتقل الحوار معكوسًا بين المطربة والكورس في تبادل للأدوار، مؤكدين أن الثورة واحدة والغضب واحد لدى الجميع، وسيتم التكاتف لاسترجاع هذا الحق المغتصب.

بعد كل هذا الغضب تؤكد على معنى آخر أن أبواب القدس ستظل ولن تقفل وسنذهب لنصلي في “لن يقفل باب مدينتنا.. فأنا ذاهبة لأصلي.. سأدق على الأبواب وسأفتح ها الأبواب”، كما تؤكد ضرورة إزالة آثار القدم الهمجية “وستغسل يا نهر الأردن وجهي بمياه قدسية.. وستمحو يا نهر الأردن آثار القدم الهمجية”، ومع “آثار القدم الهمجية” يحدث تبطيء في الإيقاع متعمد للفت النظر إلى همجية المستعمر، ثم العودة إلى مقطع “الغضب الساطع ات” وكأن هناك توعد مستمر.

أما “وسيهزم وجه القوة.. البيت لنا.. والقدس لنا.. وبأيدينا سنعيد بهاء القدس.. بأيدينا للقدس سلام” في كلمات (وسيهزم وجه القوة) نغمة واحدة على العجم فى تأكيد على الصمود والثبات، كما يتضح سلاسة الانتقال من أسلوب الأداء الشرقي بتطريبه وزخارفه وحلياته الصوتية في “البيت لنا والقدس لنا”، ويليها الانتقال بسرعة إلى أسلوب الأداء الغربي الواضح “وبأيدينا سنعيد بهاء القدس” في تسلسل سلمي صاعد مع قفزات لحنية تساعد فى خروج الصوت المستعار وبقفلة تامة واضحة بمصاحبة الأوركسترا والكورال بمنتهى القوة والصمود.

د. رانيا يحيى 

 عميدة المعهد العالي للنقد الفنيعضو المجلس القومي للمرأة بمصر 

إرسال التعليق

You May Have Missed